الأحد، 2 يناير 2011

عجـائبُ وغـرائبُ فـي البحثِ عن شريكةِ الحياةِ بإقليمَـيْ طـاطـا وزاكورة، تغطِّيهـا تعاليـمُ وهـميةٌ وتغـلِّفُـها خِـصالُ عنصـريةٌ - دراسة نقدية سوسيوثقافية


تقـديمٌ لابـدّ منـهُ:

على إثـرِ الملف الذي نُشِـرَ بجريدة عيون الجنوب، العدد الخامس، غشت 2009م، والمتعـلّق بـ: "العنصرية في المغرب، طاطا نموذجـاً"، ولأنّي طُلِـبتُ للمشاركةِ ضمن تحقيق صِحفيٍّ عن طقوس الزواج بمدن المغرب، وما يرتبط بها، سيُـنشَرُ لاحقـاً ضمن مجلةٍ أسـريةٍ خليجيةٍ من قِبَـلِ الكاتبة الباحثة الوجدية سعاد درير، ارتأيتُ أن أنشُـرَ ردودي عليها ضمن هذه الجريدة.

تغطيتي هنا ورأيي في الموضوع يتوقفان عـند "ظاهرة البحث عن شريكة الحياة بإقليمَـيْ طاطا وزاكورة وما يشوبُها من تعاليم وهمية بالية ويؤثر فيها من عادات بِدائية"، أما ماستنشرُهُ الكاتبة ضمن المجلة الخليجية فهو إلى جانب هذه النقطة يتناول نِقـطاً أخرى مرتبطةً بـ" ليلة الزفاف، قاعة الـحفْلات، الدْفُوعْ، الحـنّة، البَكارة وعلاقتها بالشرف، حْبْ الرّاسْ ..."، كلُّ هذا طبعاً إلى جانب مااستقـرَأتْـهُ الكاتبةُ في الموضوع في جـلِّ المدن المغربية سيشكّـلُ تغطيةً معرفيةً للقارئ العربي بله المغربي.

في الواقع هنالك مقالاتٌ بالكثرة مُنجَـزَةٌ، تشكّـلُ المناهج السوسيوثقافية وكذا السوسيونفسية منطلَقاً لها لم نُـرد أن نثيرَها قبلاً أو في هذه الآونة، تجنّباً -لاخشيةً من ردود أفعال- مِنْ أن نُحيـي نَـعْراتٍ دفينـةً مريضةً في نفوس بعض القبائل وأحياناً بين أسر القبيلة الواحدة، حتى ينضُـجَ الوعـيُ - وإنْ هذا بعيد المنال -، أو يتقبل المعنيون على الأقل التحولات التي مسّت وتمس عدة جوانب رغمَ عُـلُوّ الأنوفِ دون كعبٍ، مقالات لانريد بسطها حتى حين، حتى لايحدث مثل ماحدث في إحدى القرى التابعة لدائرة أقاايغان – طاطا، لـمّا أراد أطيافُ عِـرقٍ/ لونٍ وبالإجماع مقاطعةَ وعـزلَ أسرةٍ واحدة تنتمي لعرقٍ آخـر، فقط لأنّ الأخيرةَ أحسّت بغُـبنٍ لـمّا قَبِلتْ تزويجَ ابنتها البيضاء لشابٍّ ذي سحنة سمراء تعلوها مسحة بيضاء، وبعد رؤية أم الأخير ومعرفة أنها ذات بشرة سمراء مختلفة عن التي لابنها، أرادت أسرة الفتاة التراجع عـن الـقَبول رغم عِلمِ الكثيرين به، فما كان من عائلة الشاب لعِـزَّةٍ في نفسها إلا أن تقبَـلَ التراجع، لكن بشرط أنْ تعتبر أسرةُ البنتِ حالها وحيدةً وفي مقاطعة تامة مع أسرة الشاب، بل ومع أُسَـرِ عرقِـه كـلّهم.
ولأن موازين القوى اختلّت مـذ زمـن بعيد، ولم تعد حِكراً بحقّ أو بدونه على جنسٍ دون آخـر، لم يكن أمام الأسرة المغلوبة على أمرها إلا الخضوعَ والاستجابةَ، وإعادة الأمور إلى مجاريها والتراجع عن التراجع وتتمة الزواج.

لـماذا ننتظر حتى يحـلَّ بنا الضّعفُ لنؤمنَ بالقيـم ..!؟، أَوَليسَ في النهـاية كـل الطاطويين بِيضاً وسوداً ضحيةَ عنصريةٍ سياسويةٍ إقصائيةٍ ..!؟، أو بمعنى آخـر "شْكونْ ادّاهـا فينـا بيضاً أو سوداً"، أليس الجهـلُ والأمـيةُ والفقرُ والتهميشُ، كل هذا وغيره كـافٍ لنلتفتَ لحقائق أنفسنا، ونـردّد جميـعاً: "أنْ كفـى اعتبارنـا لعبـةً بين أيادي السياسويين؛ فَـمَـنْ غيرهم زرعَ ويزرعُ فينا هذه الفِـتَـن، إليك أيّها القارئُ ماهو واضح في الموضوع وماخفي منه أعـظم ..!؟.

أولاً- مسألة اختيار شريكة الحياة:

أولُ المسالك خطورةً تطأها قدما الرجل الزاكوري والطاطاوي تكمن في اختيار الشريكة، أما هاته فلا رأيَ لها ولا اعتبار؛ إنما السمع والطاعة لما يُقرّراه الأبوان.
وضعُ الفتاة في مسألة الاختيار قديما وحديثا له صبغةٌ واحدةٌ، أما الرجل الذي يحقّ له التفكير والبحث عن شريكة مناسبة بشخصِهِ، تظهرُ صورُهُ أخيراً في ظل انتشار الفضائيات وانفتاح المجال والسفر نحو الفضاء المديني الأكثر تحرراً. والأمر غالبا يبقى منحبساً في فـئة مَـنْ حالفهم الحظ وبلغوا التعليم الجامعي، وحتى هؤلاء صنفان: مَـنْ يظل مؤمناً بالتقاليد والتعاليم مهما علا مستواه، ومَـنْ يثورُ لأنه تمـكّن من ترك العنان لعقله وفكره في تجاوز ماسطرهُ الأجداد والآباء.
أغربُ مايلتصقُ بظاهرة البحث عن الشريكة في التربتين هاتين هو التشبت بعادات وتقاليد قديمة جدا، والارتكان لتعاليم ماأنزل الله بها من سلطان، بل وخارج التاريخ حتى ..!.
زاكورة كما طاطا، فُسحـةُ المجال الجَغرافي تجعل قراهما عديدة، فهناك مَـن يتكلم العربية – الدرجة، ومَـنْ تشكل ُ الأمازيغية لهجته الأصل، إلى جانب هذا التصنيف هناك تصنيفاتٌ داخل كل إطار، فالعربُ منهم بزاكورة "الدرعي"؛ يطلقُ عليهم باشتقاق من هذا الإسم "ضْراوة"، ثم مَـنْ سُمّـوا بالشرفاء ، وداخل الأمازيغ أيضاً تفاوتات وتصنيفاتٌ عديدةٌ.
بطاطا يغلبُ ذوو البِـشرة السوداء، مختلطين بالبيض طبعاً، أكثرهم أمازيغ، ومنهم عربٌ رُحّل؛ بلـدة "بوسموم" مثلاً.
في كلا التربتين تتحكم في البحث عن الشريكة إوالياتٌ عِرقية؛ بحسْبِ مـاخُزّنَ في الموروث العقلي للناس من تفاوتات اجتماعية ثم مايرتبط بالفرق في لون البِشرة، علما أنه داخل صنفٍ واحد تجد لونين مختلفين ( أبيض وأسود)، فأمازيغُ طاطا لسانهم ذو لهجة واختلافُ بشرتهم يضع عوائق عويصة بالنسبة للزواج فيما بينهم.
كلُها أمورٌ وغيرها لاتُـعِر للمستوى الثقافي ولا المادي قديماً أيّ اعتبار، إلا مابتنا نشاهده أخيراً من انفلاتات وثورات من قِبَلِ مثقفين ومتحررين من كلا الجنسين، ومن تـمّ قد تجد فتاةً بيضاء اللون بطاطا تُغرمُ بأسمر وتُصارعُ أسرتها لأجل الارتباط به ولو دفع بها الأمر إلى التبرؤ من دمها ومغادرة الأسرة، وأحياناً وهذا حاصل تضطر الفتاة لابتزاز أهلها بتناول مايجعل منها في خطر مفارقة الحياة، وغالبا وهذا أكثر يحصلُ المحظور، الاتفاق على افتضاض البكرة لوضع الجميع أمام أمْرِ وأمَـرِّ الواقع.
ولأنّ المثال سيُضفي على الكلام صِدقاً ومعقوليةً، أحكي لك أستاذة مايُشبهُ الأفلام أو الخرافـةَ، مما أعلـمُهُ من زملاء، وماعاينتُهُ كباحثٍ متتـبّعٍ يشتغـلُ على مثل هذه المواضيع.

قصّتان واقعيتان من زاكورة وقصتان من طاطا، وتبقى القصص الواقعية المرتبطة باختيار الشريكة في المدينتين كثيرة جدّاً، وفي القصص الأربعة سيظهر لك الغريبُ والعجيبُ لحـدّ عدم التصديق، ولحدّ التناقض الصارخ في عقلية المهووسين الموهومين.

أ‌-         "شاب بزاكورة، من العرق الأسمى بها (= كلمة العرق الأسمى هنا كما هو معتَقَـدٌ فقط عند أناس هذا العرق، والأمرُ لي فيه نظر آخر، سأدلي به أخيراً يبقى مرتبطاً بأبعاد تاريخية ونفسية، أما البشرُ جميعُهم فمن أبِ واحد وأم واحدة، وإلا فإننا نخالف الشريعة الإنسانية، ولاأريد أن أقول الإسلامية حتى ..!؛ التي لاتدع مجالا ولاتتيح أدنى فجوةٍ يلتجئ إليها هذا أو ذاك ليذهبُ أنه من الشعب المختار)، هذا الشاب تعلّق قلبُهُ بفتاة من مدينة آسفي، أحبّها وأحبّبته لحدّ تشكّـلِ صورةِ روميو وجوليت بينهما، الشابّ يدرسُ بآسفي والفتاة طبعا بتلك المدينة تقطنُ، بعد مرور سنتين من علاقتهما تفضّلَ الشابُّ "الشريف عرقاً" لخطبتها، بعد إلحاح الفتاة وتشبتها، الأم في القصة مساندةٌ والأبُ رافضاً رفضاً قاطعاً لدرجة تكبيل الفتاة وضربها حـدّ الإغماء، متوعداً الأبُ الشابَّ بمصير غير مأمون إذا لم يتعد، وفي ملاسناتٍ هاتفيةٍ بين الشاب والأب المتهور المريض سخط الأخير على الأول، يُسبّـهُ بأرذل الكلام وأوقحه، الشاب لفكره وتنوير ثقافته أراد التحدي وفعل، في وقت يعلمُ في قرارة نفسه أنه إذا سوّى جهة الفتاة وذاك من سابع المستحيلات تنتظرُهُ أعرافُ أخرى أشدّ وطأةً من جهة عائلته هو؛ التي لن تقبَـلَ لابنها إلا بفتاة شريفة عِـرقـاً، أما مَـن أحبها المسكين وضحى وصارع من أجلها أباها فمبـخوسَـةٌ في موروث أهله، فضّل صاحبُنا وهو بين المطرقة والسندان التراجع، في وقت وهذا غريبٌ أيضاً ظلت الفتاة تُـتلفِـنُ لـه يوماً بعد يومِ، بل وفي ليلة عرسِها، تطلبُهُ بالهروب معاً؛ ولأنه يعلم موقف أهله كم سيكون أصلبَ من موقف أبيها فضّلَ الدعوة لها بالسعادة، الأبُ طبعاً رفضَ بدافعِ المستوى المادي، وأهل الشابّ ولو وافقَ الأبُ افتراضاً سيرفضون الفتاةَ بدافع البُـعد العرقي، أليس هذا تناقضـاً غريبـاً وهدمـاً للقيم وتأزيـماً لنفوس الشباب؛ بل وتعكيـرَ صفو حياة بأكملها".
ب‌-     "بزاكورة أيضاً، أحبّت فتاةٌ شابّاً حـدّ الجنون، كما هو أيضاً، يلتقيان معاً، عاشا لـحْظاتِ رومانسيةً، بعيداً عن أعيُن أهلهما، ولمـّا تقدّم المغرم، طالبا يـدَ محبوبته من أبيها قامت الدنيا ولم تقعد، ولأن الفتاةَ من النوع الـمؤمن بـ" إمّـا أن أكونَ أو لاأكون" لم تتراجع عن موقفها رغم سخط الأب وتهديد الإخوة بالويلات، وأمام إصرارها وتعنثها المستمرّيْن يجتمع أعيان الأسرة ليقرّروا في النازلة، فخلُصوا إلى قرار جهنمي ينهي الحكاية، تفضّلَ أبو الفتاة وأخوها برميها ليلاً في بئرِ عميقةٍ وأرداها قتيلةً، النتيجةُ = اعتراضُ زواجها من شابٍّ ليس من عِرقها وعشرون عاما للأب والأخ سجنا نافذا. وتبقى شريعةُ العائلةِ: السجنَ والموتَ أهونان من أن ينكحَ أمازيغي فتاةً شريفةً ولو أنه وسيم وأبيض".

مسألةُ اللون بزاكورة لاتحضُـرُ بنفسِ الدرجة بطاطا؛ لأن الناس هناك يستظلّـون جميعهم قساوةَ مَـناخٍ جافّ، فحتى بعض "الشرفاء" منهم "عرقاً" يلتحفُون سُمرةً أخّاذةً ويبقى العرق هو المتحكم.
أما طاطا فكلها أيضاً تناقضاتٌ خطيرةٌ تحكم ظاهرةَ اختيار الشريكة، إليك الأستاذة سعاد قصتاها الواقعيتان.

أ‌-        " شابّان من طاطا تحابّا لحـدّ تـماهي روحيهما، لحدّ قطع الوعود بالزواج، يلتقيان مختبئان، يمارسان مـاظـنّا أنه تمهيدٌ لارتباطٍ آتٍ لامحالـةَ، دون أن يفكّـرا  أن هناك تعاليمَ  يمكن أن تعترض حـبّهما، عشقت الفتاةُ الشـابّ لسُـمرته وشخصيته بله مكانته، في غفلةٍ منها أنّ أمّها للون الأسمر هي كـارهةٌ، وبأزياء ماضٍ مزيّفٍ متشبثة. تقدّم الشابّ لأب الفتاة، طالباً يدها للزواج؛ ولأن الأبَ لايملكُ من أمر القرار ولو نسبة ضئيلة (صفر في المائة)، يعِـدُ بالقَبول ويطلبُ الانتظارَ من الشاب، ليأتي الـردّ أخيراً: موافقون جميعاً غير أن أمّـها لاترغبُ، أمّـا الفتاةُ فقد تصارعت لحدّ الرغبة في الكفر بشريعة أمها وخُزعبلاتها، بأنها لن تتراجع عن موقفها ولن تتنازل عن حبها، لمدة طويلة استعملت الأمّ جميع الطرق والـحِيَـلِ لإرغام ابنتها على التراجع، لدرجةِ التلويحِ بأمور غرائبية: (= إذا تمّ زواجك بذاك الشاب سأغادر البيت دون رجعـةٍ / إذا تـمّ الزواجُ سـأفكّ عـقد الأمومة وأنسى أنّـك ابنتي طيلة الحياة / لـن أسمح بأحفاد من رجل أسمر، ولو أن هذا الأسمر يفضُلُـها بالكثير الكثير، مستوى ونقاءً وأخلاقاً). تسريباتٌ وصلت للشاب تبدو أكيدةً أن الأمّ التجأت للسحر والشعوذة لقتل حبّ الفتاة للشابّ؛ إذْ بدا للأم أنّ البنت في أي لحظة يمكن أن ترتكب حماقةً؛ لأنها مغرمة به حقاً. الأغربُ في هذه الحكاية هو لـمّا يعلم بعض المقرّبين من الفتاة أنها متشبثة بالشاب لـحدّ تواجدها معه في بيت واحد قبل رفضِـه زوجاً، ومع ذلك لم يشفع لها هذا الفعل في تحقيق مرادها؛ الزواج ممن أحبّت. تسجّـلُ الحكايةُ تناقصات صارخة، مركزيةُ الأمّ وغيابُ دور الأبِ رغم اقتناعه بالشابّ ثم لامشكلةَ في أن تظلّ الفتاة بدون زواج إذا لم يطلُبها أحـدٌ من أقربائها أو من جنسها، والأولى طبعاً للقريب وإن هـو بعيدٌ، وإن حصـلَ أن أُرغمت على الزواج بالقريب تجد نفسها منه نافرة".
ب‌-        " فتاة من طاطا؛ ولأنها تابعت دراستها الجامعية، ومن قرية يُعـمرها جنس أمازيغي أبيض، تعرفت على شاب فرنسي الجنسية، تواصلا وقررا الزواج، تقدم الفرنسي بواسطـةٍ لأهل الفتاة، امتنع الجميعُ من الـجدّ حتى الإخوان عن الموافقة بزواج ابنتهم من "نْصراني" = هذه عبارتهم وهذا تعبيرهم، وفي مواجهة غير متكافئة وصلت درجةَ طرد الفتاة من المنزل والتلويح بالتبرؤ إذا تشبثت بموقفها، لكن الشخصية القوية التي تتمتع بها الأخيرة جعلت منها مُحارباً مغواراً، يتغلبُ على الجميع ويتجاوز الأعرافَ. بعد تعنتها شرع المقربون بتقديم تنازلات، مشترطين على الفرنسي أن يُعلنَ الشهادةَ، شرطٌ لم يكن وارداً في الأول؛ إذِ البداية تتطلب زوجاً أمازيغياً من نفس القبيلة، ولأن معظم سكان المغرب والجنوب هنا خاصة يشدون في الأمور التافهة والمظهرية، حفّظتِ الفتاة للفرنسي الشهادة ليلقيها ليس إلا ..! على مسامع الأهل وبحضور فقيهٍ، متفقةً معهُ أن المسألةَ مجرد تمويه، ولما يحصُل العقد يبقَيان حُرّيْـن، يبدو أن الفرنسي شفعت له شهادته وإضماراً شفع له مالُهُ رغم عدم كونه أمازيغياً وبعيداً عن القبيلة، ولو تقدّمَ طاطاوي الأصلِ لهذه الفتاة وأحبته طبعا ورغبته لَرُفِضَ من أهلها بدعوى لونه الأسمر؛ وإ ن كان مسلماً وليس مجرّد معلن عنه فقط والآتي أغربُ".

الحكايا كثيرةٌ أستاذة في مسألة البحث عن الشريكة في التربتين، طاطا وزاكورة، باختلاف الأسباب طبعاً، واقتصرتُ على هذه لمعاينتي لها وعلمي بأسرارها وغرائبها، ويظلّ الجهلُ والانغماسُ في الوهمِ بل والتناقضات الصارخة مايتحكم في أهلها. لم يستسغ الآباء أن زمانهم قد فات وأنّ لأبنائهم كما بناتهم الحقّ في الاختيار، وأن نُبلَ القيم لايعترفُ بما سطره التاريخُ من وقـائع حصلت أولم تحصل تدفع بأبناء اليوم إلى العيش في اختيارات آبائهم ولو دفع الأمرُ بالبنت إلى التعاسة وبالإبن إلى ارتداء زي حياة يسخُطُ عليها قبل ولوجها.
الأمّ التي رفضت لابنتها الارتباط بالشاب الذي أحبته، رغم رغبة الأب وباقي الأسرة بدافع اختلاف اللون؛ بل ورغم عذابات الفتاة الواضحة وثورتها ومرافعاتها المستمرّة تُظْـهرُ مـرضاً نفسياً تعومُ فيه هذه الأمّ، فمن حيث لاتدري تتمتع بسلطةٍ وهمية بغير حقّ، تجعلُ منها متفوقةً على الآخر؛ الذي يفضُلُـها واقعياً ومنطقياً، فانفلاتُ مفاتيح سُلطٍ حقيقيةٍ من يدها (= سياسية/ مادية/ ثقافية؛ أي مايجعلها متميزة وفقط)، غياب ذلك يجعل منها تتشبثُ مرضـاً بما تراهُ يحفظُ لها مـاء الوجه، في ظل واقعٍ لايرحـمُ أحـداً. ففي الوقت الذي لم تطأ قدمُ هذه الأم المدرسة طيلة حياتها؛ بل ولاتتقن غير لهجة لسانها الأصل، وهي ربة بيت ليس إلا، ومن أسرة فقيرةٍ، تجـدُ راحةً ومتعةً فيما تعتبرهُ تفوقاً، علماً أن اللونَ خُلِـقَ معها وليس امتيازاً حـصّلَـتهُ.
حبُّ السلطة والافتتانُ بالتفوق هو مايجعلُ المجتمع الجنوبي يركن في هذه الزوايا، وما يُضفي سُخـريةً على هكذا أوضاعٍ وجودُ نـماذجَ تُظهرُ بالملموس أننا في مجتمع وأمام عقلياتٍ، ليس فقط لاتؤمن بالقيم، إنما تطأ عليها وتعود بنا إلى عهود بدائية. فعندما تجد فتاةً  تشترك مع فتى، تحابّا طبعاً، بيتاً واحداً، طيلة أيام الجامعة، وهما يعلمان أن زواجهما غير ممكنٍ بتاتاً، وفي الأخير يُرمى بالفتاة بين أحضان قريبٍ، عبتـاً يستطيعُ أن يُطـهّرَها من مـاضٍ اختارته بنفسها أو بالمقابل دُفِعت إليه، فأيّ تفسيرٍ للمعادلة.
أيضاً وبإحدى قُرى طاطا لم تُعـر إحـدى الأسـر لطهارةِ دماءِ مَـنْ تفضّلَ لخطبةِ ابنتها أيّ اهتمامٍ لأنه أبيض اللون، وأيضاً رُغمَ أنف الفتاة التي لاتريده، ولو طرقَ باب أسرتها أسمرُ وإن تحابا معا وأرادا بعضيْهما لـرُفضَ، وتـمّ تزويجُها للأول وهو مجهول الأب، طبعا قادم من مدينة بعيدة، أليس هذا شدّاً في القشور، أما الجواهر، مع هؤلاء، فإلى جهنم.
شبابُ طاطا، ولأنهم عانوا الأمْرَ والأمَـرَّ هاجروا خلف جبالها، ليرتبطوا بفتياتٍ من نفس جنس مَـنْ طلبوها ورُفضوا في مدينتهم، فتيات هنّ أجمل وأفضل مستوى ثقافياً ومادياً ممن يتقاطع مع أبناء طاطا التربة. يحكي أحدُ الأساتذة من طاطا مولده قائلاً: "لم تشفع لي وظيفتي، لا ولا أخلاقي بالتفكير في الاقتران بمن أحببتها وأحبتني؛ ولأني أردت أن أظْهِرَ شـرَخَ التناقضات في جسد عوائل طاطا البيض – للتدقيق في الأمور، فهناك بعض العوائل تجاوزت تلك التعاليم البالية -، ذهبتُ إلى مدينة أكادير وتزوجت من فتاة، تفضُلُ مَنْ تجاورني في كل الأشياء، جمالا، ثقافة ووضعا ماديا، والعِرق طبعا مع من رفضني أهلها واحـد، أمازيغ.
لاأظن الحديث اليوم عن الديمقراطية والحداثة في المجتمع المغربي يجوز في وقت مازالت الأعراف ثم التعاليم تتحكم في العقليات السائدة.
إنها العنصرية، نعم، ومن يظن غير ذلك فلأنه غيرُ دارٍ بالأمور. إنها لعبة سياسوية، نعم، ومن يزعم غير ذلك فلأنه خارج الدائرة.
بالمغرب تستعمر العنصريةُ كلّ ترابه بأشكال مختلفة وتوابل متنوعة، فمَـنْ يُمارسُها بطاطا (= البيض الأمازيغ)، تُـمـارَسُ عليه إذا حـلّ بمكان آخـر (= بني ملال والناظور مثلا)، بدوافع طبعا واضحة، وحكاية الفتاة التي أُدرجت شهر يوليوز الفائت بإحدى المجلات الوطنية خير مثال لمـا رغبَ فتى أمازيغي فتاةً عربيةً من بني ملال، وبعد أن نشأت بينهما علاقة حب دامت سبع سنوات، فرفضه أهلها لأنه : "شْلْـحْ"، مرددا الأب بالحرف " لانزوج بناتنا للشْلُوحْ"، وحتى إذا كنتَ من "عرقٍ سامٍ" في زاكورة مثلاً وأنتَ تَـرفُضُ زواج ابنك أو ابنتك لعرق آخر من نفس المدينة، فأنتَ أيضاً مرفوضٌ وتُـمارَسُ عليكَ عنصريةٌ من وجه آخر من قِبَلِ أسرة راقية مثلاً تنتمي إلى عرق أقل شأناً في مخزونك الثقافي الوهمي، لكنه يفضلُكَ في مخزون عائلة الفتاة الناظورية أو الرباطية مثلاً.
    كل مايحصلُ من هذا القبيل ولأنه مغطى بـجهل أعمى، لاأراه بعيداً عن تسييس قديم، عرف صناعه كيف يتحكمون في مفاتيح لعبته، قاعدتها: "لنجعلهم يتصارعون فيما بينهم، ليتركوننا ننهب كما نشاء ، في غفلة منهم جميعاً".
نعم، وكيف لا وطاطا مثلا ترزح في تهميش مقصود وتعتيم إعلامي ممنهج، يغطي الفقرُ وضَعفُ البنية التحتية كـلَّ أرجائها؛ إذْ في الوقت الذي يجب أن تكثف الجهود لأجل النهوض بالمنطقة، بل والسعي خلف تمثيلات وزارية وبرلمانية و ... يبقى السكان – للأسف – يتصارعون في أمور تافهة، وإنْ هي في الأصل المنطلق لأي تغيير حقيقي، لكن دون أن يدروا فالسياسويون أرادوا لهم تلك الأشياء منذ عقود مضت.
نعم لبعض الانفلاتات من هذا أو ذاك، من هذه أو تلك، لكن القاعدة العامة لاتبشر بخير، ومن تـمّ تظل عـوائل بعينها ورسمها هـي مَـنْ تتناوبُ على مناصب وزارية وبرلمانية، ويبقى سكان طاطا وزاكورة مثلا يتشبتون بالأوهام وتضييع وقت كثير في ترّهات فارغة.
نعم لوجود انفلاتات من بعض الشباب في الظاهرة المتحدث عنها، ويكفي دليلا فتاة تثور على أهلها، دفاعا عن حبها، معلنة وبصوت عال " أحبّ فلان وأريد الزواج منه ولاعليكم التدخل في حياتي، فأنا راشدة بما فيه الكفاية".تكفي الثورة وإن فشلت المحاولة، وأحيانا تنجح كما في قصة المتزوجة بالفرنسي.
في ظل هذه التناقضات يظل ارتباط العروسين مشروعاً تخطط له الأسرة قبل أن يفكرا المعنيان بالأمر، دون أن نغفل أن وجود أي حسابات بين أسرتين ولو استوى الأمر في كل مناحيه ستجعل لامحالة الارتباط بين شابين متحابين من تلك الأسرتين مستحيلا، وإنْ لاذنب لهما في خلافات قديمة، أضف إلى ذلك وضع الأسرة التي ستعيش معها العروسة المنتظرة؛ إنْ كانت ممتدةً، وهذا أمر غالب في طاطا وزاكورة؛ فإن اعتبارات أخرى أكثر شدة تأتي في الحسبان، من قبيل، مَـنْ هي زوجة أخ العريس إن وُجد له أخ أو إخوان ؟، كيف هي طبائع أخت العريس، طبائع أمه ...؟ وهلم جرا، مما يعني أخيراً أن شيئا اسمه الزواج عن حب في التربتين يبقى بعيد المنال، اللهم بعض الاستثناءات التي لاتشكل القاعدة.
**    **      **       **     **
كيف يمكن السماح بوجود علاقة قبلية بين شابين، ليدرسا بعضهما البعض في ظل هذه العقليات البالية، إلا أن ما لايفطن له الآباء في هاتين التربتين هو أن مايتم خُفيةً وبعيداً عن الأعين يُـظْهِـرُ أننا أمام مجتمع متحرر خلف الكواليس.
أعرفُ أسرةً في طاطا، يظهر على زيّها التديّن بشكل لافت، أما الأخلاقُ والثباتُ فبهما تنعتُ فتياتها، في وقتٍ وفي غفلةٍ من الأهل يلتقي الشابّ بأحد بناتها لحب وقعا فيه معاً، ولما يطلبُ الشاب يدَ الفتاة يمتنع الأهل عن ذلك، بدعوى أنهم لايزوجون الفتاة إلا لمن هو من جنسهم، ألا تبدو المفارقة غريبة هنا، فتاة تعاشرُ فتاها ولمدة طويلة، ولما يرغب في الارتباط بها شرعاً يتم رفضُهُ.

المجتمع المغربي والأسر المحافظة فيه بوجه الخصوص ترى في العلاقة بين شابين مُقبلين على الزواج تمـظهرا غير أخلاقي، أمر يجني على الفتاة أكثر من الفتى إذا حصل.
-       ماذا تعرف عن فـلانة ؟
-       إنها تخرج كثيراً.
-       إذن لاتصلح للزواج.
لنلحظ إذن، هذه فقط تخرج كثيراً، ولو إلى مهمة ما، أما إذا كانت تخرجُ رفقة شاب رغبها ورغبته للزواج، يبحثان عن التفاهم بينهما فإنها توضع بين قوسين، ويحكم عليها مَـناخُ "الـحُومة" أنها لاتصلح للزواج.
الشباب، أغلبهم طبعاً، لهم يد طويلة في مثل هذه الحالات، لن أتزوج مَـنْ قبِلتِ مرافقتي  وبعيداً عن الناس، ناسياً هذا القائلُ أنه مَـنْ طلب منها ذلك، وتحت سيل – للأسف – من الأكاذيب والإغراءات، فلماذا في مثل هذه الحالات لانقلب الآية ونذهب إلى أن فلانة مادامت وثقت بي، بل وفعلت معي ماشئناه معـاً ألاّ أفِـرّ منها وأفرط فيها مهما يحصل.
فعلُ التربية في مجتمعنا المغربي يحتاج لكثير من الحفر وإعادة النظر، ولامجال للتكثير من المدونات والمواثيق في ظل جهل خطير يسِمُ آباءنا وأمهاتنا وكل ثورة من هذا وخاصة من تلك يجعل منها "وقِحةً" أو "ماكاتحشم"، يُخبرني من تقدّمَ لخطبة الفتاة التي أحبته وأحبها ورفضت أمها، أن فتاته لما تترافع مع أمها وتتخاصم تردد الأم: "مابقيتي تحشمي"؛ لأن الفتاة وبجرأة كبيرة تصرخ أمام أمها "أحب فلان وأريده ولن أتزوج غيره"، العبارة هاته كافية لتدفع بالأم إلى طرق أي باب لمحوها ولو تطلب الأمر مجالسة المشعوذين، ليس الكلام هنا من باب إيماننا بقدرة الشعوذة على قلب القلوب؛ إنما التخمين في ذلك من قبل الشاب أو الشابة والاعتقاد بأنه يؤثر كافٍ بجعل وقْعه أكثر نجاعة، فنعتقد أننا مسحورون والحال أننا نتوهم ذلك فقط.
تفضل الفتاة الجنوبية تواجدها مع من ترغبه زوجاً، وإن قبل إعلان الأسرة موافقتها، تفضل تواجدها معه في منزل واحد، على أن تسير أو تقف معه أمام الناس، ونفسيا فهي بفعلها الأول تهربُ من طقس وتعاليم لادخل لها بها.
أخطرُ مافي الأمر أن تلك الضغوط التي تُمارسُ على الفتاة، خاصة من قِبَلِ أهلها، بالأخص في مسألة اختيار شريك حياتها، كل ذلك يدفع بها إلى البحث عن لـحْظاتٍ عابرة وإن بين الجدران، بل قد يحصل وتتزوج مَـنِ اختاره الأهلُ وتظلُّ علاقتُها بالحبيب مستمرةً، لتحصُلَ الخيانة.
المجتمع المغربي وإن أكثروا على مسامعنا أنه قطع ويقطع مع ممارسات قديمة، ففي العُمق مازال يتشبث بماض مريض، هو الذي دفع به إلى أن يحتلَّ رتبةً متقدمةً في تجارة الجنس، كيف لا وفتاة تبلغ من العمر عقدها الثالث يمتنع أهلها تزويجها مـمّن اختارته واختارها، منتظرين قريباً لها يطرق الباب وقد لايأتي.
ماذا ننتظر من مثيلات هذه الفتاة غير البحث عن عاشق عابرٍ أو الوقوع في يأس و تحطيم من الصعب تجاوزهما.
يتحمل الأجداد والآباء مسؤولية جسيمة فيما وصلت إليه الأسر الشابة، وكل ماسبق بسطه بالمثال والرأي لهو الدافع من وراء كثرة ملفات الطلاق والخيانة في معظم محاكمنا القضائية.

ليس تعـصّباً من وجـهٍ مقـابلٍ انخرطنا في مثل هذه المقالات، إنما رغبةً في إثـارةِ مـاظـلَّ مـسكوتاً عـنهُ، وعَـرَفَ ابتعـاداً مقصوداً مِـنْ قِـبَـلِ باحثين كُـثُـر، ومِـنْ قِـبَـلِ جمعياتٍ تنخرطُ في مشاريعَ كبرى ناسيةً أن الدّاءَ الحقيقيَّ هو الذي يسكن المحيطين بها، وعلاجُ ذوي القربى من داء فـتّاك أولى من أيّ تفكير مشروعاتي ومن أيّ حديثٍ زائـدٍ عن الاستحقاقات الانتخابية أو ماشابه. هذه الفُسحَـةُ إذن مجـرّدُ بـدايةٍ لـمُقـاربات أخـرى من منظـوراتٍ علميةٍ تُفَـتِّتُ الظـاهرةَ وتَـتَتَـبَّعُ الحكايات الواقعية تلو الحكايات حتى نهاياتها ومعرفة مـآلاتها. 



محمد بوشيخة
قاص وناقد من جنوب المغرب
نُشـرت الدراسة بجريدة "عيون الجنوب"، عدد: 06، شتنبر: 2009م 

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

الإدارةُ الـمغـربــيـةُ فـي خـدمـة الـكـلام الـفـارغ ..! - الحلقة الحادية عشرة من عمود "ضد التيار".


كــثـيـراً مـاردّدوا على مسـامـعـنا، وفي شـاشـاتهـم ومـحطـاتهـم، كـذا فـي لـقـاءاتهـم التي كـــثُـرَ عـددُهـا وقـلّت نتـائـجُـها .. ردّدوا ومـازالـوا "الإدارة المغربية في خدمة المواطنين" و "تقـريب الإدارة من المواطنين" و "اللامركزية / الـلاتـمركـز" ثـم "أخـلاقـيـات الـمِـهْـنة".
كـلّـها عـبـاراتٌ ومـفـاهـيـمُ تـدل عـن قـدرة سيـاسويـيـنـا على الـنـفـخ في المصطلحـات والتبـجـح بـهـا، مقـابـل الخـواء الذي يعـتري كـل أجسـادهـا، في ظـل غـياب أي تجسيد لـهـا.
"الإدارة في خدمة المواطنين"، عـن أي مـواطن يتحـدثون ..؟!، وكـأننا نحن نعيش في الـمريـخ ..!، مَـنْ مِـنَ الـمغـاربة يـومـاً أراد قـضـاء حـاجة إداريـة ولـم يـنـتـظـر لأجـلهـا سـاعـات أو عـاد لـيُـعاود الانتـظـارَ يومـاً أو أكـثـر ..!، مَـنْ مِـنّـا لـم يُـسـتصـغَـر أمـام مـوظّـفٍ صغـيـر يـبتـزّه، ويستـعرض أمـامه كِـسـوتَــهُ التي لم يلبسـها إلا بـعد أن أقـسَمَ على خِـدمـتهـا وخدمـةِ مَـنْ عصَـرتِ الضـرائبُ جيـوبَهـم، وامتصّت من أجـرتهـم لأجـل ثمـن شهـريته، لكـن – للأسف – انقـلب عليهـم وعلى مـايرتدي ليـرتـزق بـه وينهـبَ من جيـوب من لا يملكون قُــوتَ يـومهـم أحيـانـاً.
أحــايـيـن أخـرى تـجـد مـوظفـةً (مـوظّـفـاً) تشـكـل واسـطة بينـك وبين مسـؤولٍ لأجـل جـرّةِ قـلمٍ تخـوّل بين يـديـك وثيقـةً تحـتاجـهـا لغـرضٍ هـام، فـإذا بهـا خِـدمـةً للكـلام الـفـارغ تـعـطّـلُك وكـثــيراً مـا تتخـلّص منـك حتى يـوم آخـر محـدد، وغـالبـاً غـيـر مـعـلوم.
الإدارة في مدلـولهـا اللغـوي من "أدار يديـر الأمـر" .. معـناه، وفي ارتـبـاط بمبدأ المسؤولية، تتطلبُ قـدرةً من الـقـائد حتى يستطيع تدبير ما بحوزته من ملفـات وقـضــايـا؛ هـذا فـي وقـتٍ يمـلك فيـه سعـادتُـهُ ضمـيـراً رضـع من ثدي الوطنية .. ولأن أبنـاء الشعـب أدرى بـمَـنْ يسـيّـر أمورهـم في الجماعات المحلية / المجالس البلدية والقيادات الداخلية والمستشفيات العمومية والمراكز الأمنية حـتى ..!!، فهـم أدرى أيضـاً بـأن معـظم هـؤلاء تـنـكّـروا لحليب الأم أو إنـهم نـالــوا سخـطـهـا فسخـطـوا على مَـنْ تـولّـوا شـؤونـهم.
ففي بعض الإدارات الأمنيـة، لـمّا يـرغبِ المـواطـنُ تـهـييء أو إعـادة تهييء بطـاقـته الوطنية؛ التي تعـبر عـن هـويـته وانتـمائه إلى أرضـه الـتـرابية، يـجـد مـا ينـدى لـه الجبين من سلـوكـات تكشف عـن أنّ تـأكيد الوطنية؛ ولو على ورقة كرطونية (= لا تعني ضمنياً انتماءً حقيقياً ووطنية صادقـة) يحتـاج إلى دَهْـنِ الـجيوبِ المخفية عن طريـق دروبٍ ملتويــة .. وإذا تصـادف الأمـرُ وكنـتَ مِـمّـن يمتنعـون ركـبَ قـطـار مـخـرّبـي مـبـادئ الوطنـيـة، وعـدم مــدّ رشـوة للمحسـوبين على الإدارة المغـربية؛ تـأتـيـك الـبـطـاقــةُ وقـد حُــمِّـلـتْ خـطـأ حـرفـيـاً يستـفـزونـك بــه؛ لـتعـيدهـا بنقـود مـا أردتَ تسليـمـهـا ونفسـك راضية مرضيـة.
أمـا في تـلك الجمـاعـات المحلية؛ إن كنتَ مِـمّـن لم يصوتـوا على رئيسهـا الذي زوّر شهـادته المدرسية؛ ليجلس على كرسي الأبدية؛ دون أن يتقـن حتى الـحـروف الألـفـبـائيـة، لـك أن تـجـتــرّ نفس الحكـاية (= إهمال وإسفاف بأمورك الشخصية والتنموية بشكل واضح؛ خلاف من والاه بشكل فيه نفاق وسياسة ذر الرماد على العيون) في سنوات رئـاسته المتتالية؛ حتى تـرضى عـنك حـاشيـتُـه في الانتخـابـات الــموالية؛ إذا حنـيتَ الـرأس وردّدت: "مالي أنا حْـتى نكون ضد الإنسانية"، وتصبـح مقـلوبـاً مـع هكـذا شعارات انهزامية.
فـي المستشفيات العمومية؛ التي كــثـيـراً ما تُـــزهـق فيها الأرواح بمسمى الأخطاء الطبية، تعـالى نُسمِـعُـك الحكاية التالية: "في ذاك المستشفى أردتُ أن أجري لأبي عملية جراحية، فطلب مني الطبيبُ إحضار كــمّ هائل من الأدوية، وأرسلني إلى اسمٍ محـدّدٍ لصيدلية؛ منها تأتي وإليها تعود مساءً كـــل الوصفات الطبية، فلما سألت عن مالكهـا أخبروني خُـفـية وخِـيفة أن مَــنْ أرسلني هـو من يمارس من خلال صيدليته ومستشفى الشعب كل تلك الأعمال الشوفينية".
مجالسنا البلدية؛ تنظم أمسيات غنائية سنوية، ولما تحس بقرب فراغ خزينتها المالية، تدفـع بـالإدارات التابعة لـرقعتـها الترابية أن ترفـــع من ضـرائبــهــا على الطبقة الحافية.
لـك أخــيـراً أنْ تـعـرفَ أنّ الإدارة المغربية تــحـتـاج إلى كـثـيـر من التطويـر لتسـايــرَ مـغـربَ التنمية البشرية وإرادةَ التغيير الحقيقية؛ لتكون فعلاً في خدمة المواطن، لا في "خْـــدْمْـــتُـــو ..!!"، وأنت تعرف طبعاً الفرق بين الأمرَيْــن.
محمد بوشيخة
mljabri1979@hotmail.com
.........................
نُــشـر بـجريدة عيون الجنوب: عدد: 21، دجنبر 2010م

الخميس، 16 ديسمبر 2010

الـوجــهُ الآخــرُ لـقـضيةِ مصطفى ولـد سلـمى فــي ظِــلّ دبلومـاسيـةِ الـمـهـادنـةِ .. الحلقة العاشرة من عمود "ضد التيار".

يـستـغـربُ المـتـتبـعُ، برغـم وعيـه العـادي، لـمشهـدنـا الإعـلامـي وتحـركـاتِنـا التـعبويـة الاجتماعية النضالية، إبّـان ولحـدود السـاعة، كردود أفـعال عن اختطـافِ ثـم احـتجـازِ المناضلِ الصحراوي المغربي مصطفى ولد سلمى.
قبـل وعـند اختطـافِ المناضل مباشرةً ظهـرتْ تجـمعـاتٌ على ربوع المملكة .. تنديداتٌ هـنا وهناك، بحجـم قضيــةِ وحدتنا الترابية العادلة؛ لأجـلِ تمكينِ مصطفى من التعبير عن رأيه، من خلال إطلاق سراحه، وضمان حـياته، وهــو الــمُـحْـتَجـزُ على أرض الـجارة العـاقّة الجـزائـر، والمُـستَـنطَـقُ من قِــبَـلِ رؤسـائـه قـبـلاً؛ مَـنْ تـنـكّـروا لأصـولهم المغربية، ووطِــئـوا على القرارات الدولية، واستـهزأوا بـما تُصـدرُهُ المنظـمات الحقوقية عن الأوضاع المزرية في تلك المـخـيمات الـواهية.
أما مايحـوز في نـفس المواطن المغربي هو الانـفراجُ الذي حصـلَ في نفوس مسؤولينـا (= وزراء وبرلمانيون)، بُـعَـيْــدَ الإخـبارِ عـن إطـلاق سـراح مصطفى المكذوب والموهـوم .. أليس الأمــر دليـلاً عــن ضَـعْـفِ دبـلومـاسيـتِنـا ..؟؟، وقـد تـمـكّـن الخـبرُ من تهـدئـة كثيـرٍ مـن التـحــركات، حتى استـمـرّ – وللأسف – بـثّ الخـبرِ المكذوب عن إطلاق سراحه على شاشاتنـا مــدةً طـويـلةً .. أليس حـريّ بـدبلوماسيينـا اتخـاذَ الحيطة والـحذر، والابتـعاد عـن كـلام (النــية ؟؟؟) ..  غريبٌ أن يتحـدّث مسـؤول ويقـول فيـما معـناه: "صـدّقـنا الخـبرَ لأنـه من دولةٍ عـريقـةٍ ولهـا تـاريـخٌ"، وكـأنـه يــردّ الـصفْـعـاتِ التــي أتعـبتنـا تاريخـاً طــويلاً مِــنْ قِــبَـلِ الجـارة العاقّــة بـالقُـبَـلِ وعـلى الـرؤوس".
لـهـذا المسؤول أن يفعـلَ ذلك، وللذيـن يشـرفون على قنـواتنـا أن يسلـكوا خـطاه .. مصطفى ولد سلـمى مازال محتجـزاً ومقــدّمي برامـج القناة التي تفـرّقُـنا ( = بدل قولهـم أنهـا تجمعـنا ؟؟) يستضيفـون في شكـلٍ مُـلْـفتٍ للنـظـر فنـانين جـزائريين، بـــالمثال (= استضـافةُ جزائري في برنامج "سْهرانْ مْعـاكْ الليلة"، وأغنية جزائرية من تقديم مغربية في برنامج "نْغْمة واتايْ" لحظة تكريم إخوان مكري، واستضافة فنـانة تقدم وصفة غذائية مع صاحبة الشهيوات ... وزد وزد).
لـماذا هكـذا أطبـاق حلوية نقـدمـها وبـالمـجـان، المغربي ليس بلـيداً حتى تخـبروه أن الشعبين الجـاريْن (= الجزائري والمغربي) محِـبّيـن لبعـضهـما، وهـو ليس بالغباء الـمعـتَـقَـد حتى تسعـون بشـكلٍ مُـلْـتوٍ أن تُفـهِـمـوه أن الـجهـازَ العسكـري هو الذي من وراء تشكـيل جبهة العـار البوليساريو .. المغربي أفطـن بذلك، وهـو يريـد من المسؤولين أن ينتبهـوا لتحـركـاتهم وأن يُـعيـدوا النـظر في سيـاساتهم؛ التي عِـوضَ أن تَــمـضي بنـا قُـدُمـاً تـؤخـرنـا كثيـراً.
يكفـي أن الـمعـادلة، وقـد مـرّ أكــثـرُ من شهـر، لم يتـغـيـر منهـا شـيء (= مصطفى ولد سلمى مـايزال غـائبـاً عن الأنظـار، ولاتـواصـل تحـقـق معـه)، ونحـن مظـاهراتُـنـا خفـتَتْ، ولم تعـد أخبـارنـا يتـرأسُـها خـبرُ اختـطافِـه واحتجـازِه، كمـا تمـر هذه الأخبـار صبـاح مسـاء على الخـبر مرور الـمُـرتـاح عـن مصيـر الابـن البـارّ لوطـنه لـمّا استفـاق من غـفْـلتـه .. وكـأنهـا شوكـةُ إبـرةٍ تـملـك من السـحر مـا يُـغـذي نفـوسـاً ثـائرةً، ويجعـلهـا تتـراجـع عـن حمـاسهـا، أم أنهـا دبلوماسيتُهـم العسكريةُ المخـادعةُ ..؟؟، التي استطـاعت أن تربـح من الـوقت كـثـيرَهُ، وأن تمـتصّ من غضبِ الأصـواتِ الـخــارجيةِ – على نذرتهـا – وتتــرك لهـا فرصـة النـظـر فيـما حـلّ بهـا مـن خـطـر.
إن برلـمانيينـا وهـم خلف وزرائنـا، باعتبـارهـم جميعـاً مَـنْ يقف وراء تــحريـك الفـعلِ السيـاسي، مطـالبون أكثـر من أيّ وقـتٍ مضى القـطـعَ مـع الكـثيـر من الممـارسات الدبلومـاسية غير النـاجعـة، والنظـر بعـمـق في قضـايـانا الوطنية العادلة، والدفـاع عنـها بـاستمـاتة، بــدل سيـاسة "بـالمْـهْـلْ راهْ غـادي تْـوصْـلْ" أو "اعتبـار أي مشكـل يتعـلق بوحدتنا الترابية فـرض كفـاية؛ إذا قـام به بعـضُهـم سقط عن البعض الآخـر".
مبـادرة الحـكم الذاتي التي أعلن عنهـا المغرب تجـسّـد إرادةً حقيقيـةً لإنهـاء الصـراع الـمُـفـتَعـل؛ الذي يـتـغـذّى عليه أعـداءُ وحـدتنا الترابية .. مبادرةٌ لاقـتْ تـرحيـباً واسعـاً داخـل وخـارج التراب الوطني، وأحدثت شَـرَخـاً واضـحاً في صفـوف قيـاديي الجـبهـة المـزعـومة؛ حتى وجـدوا أنفـسَهـم أمـام عقـوق الأبنـاء؛ الذين تشـبّعـوا مرغومين بـدايـةً بـكـلّ مـايكـيـلُ لـوطـننا الـعداءَ والـحِـقـدَ الـدّفيـنَ .. مبـادرةٌ تشـكّـل – وهي في أفْــق تطبيق الجهوية المـوسّـعة – صـورةً ديـمقراطيةً تـخـوّل لأبـناء صـحرائنـا فـضـاءً أوســعَ للتسييــر الـذاتـي.

محمد بوشيخة
mljabri1979@hotmail.com
 نُــشر بجريدة "عيون الجنوب"، عدد: 20، نونبر 2010م.

الأربعاء، 15 ديسمبر 2010

زمـــنُ الـمدوّنـاتِ ومـوتُ الإرادات - موضوع الحلقة التاسعة من عمود: "ضد التيار".


لـستُ هـنا لأدافِــعَ عـن الحـكومـة المغـربية فـي تطبيقـها لـمدونة السير على الـطّـــرُقِ رغـم أنف ملايين الإرادات الشعبية؛ التي رشّـــحتهـا لـتمـثلهـا في الـواقـع بـدلَ أن تعـبثَ وتـهرّج بهـا في تـلك القـبّـة الـبَـرْلـغْـمَـاتية؛ بكـل بسـاطة لأنـي بـجانب العـديد من المتحسِّـرين والغيـورين عـن أحـوال وطننـا لــم نـعـايـن بـرلـغمانـاً يـدّعـي ممثـلوه تحـقيــقَ عَــتَــبـاتٍ مـن الـدّمقـرطة والحـداثـة يحـوّلـون أغـلب جــلْـساته إلـى مسـرحيـة عـنوانُـها " شْــدْ فــيّ نْـــشْـدْ فــيـكْ "، وهــم بذلك يبتعـدون عـن هـمومِ الـمواطــنِ العـارفِ وغير العارفِ، ويكفـيكَ أن تعـودَ إلى إحـدى تـلك الـجـلْـسات الـبـرلـغـماتية (= جلسة 02 يونيو الـفـائت مثـلاً)؛ التي تبـثّـها القـناةُ لـتَـنـظـرَ كيـف أنّ مـمـثـلي الشعب مخـتلفـون عـن الـمقـصود بــــ:" نقطة نظـام" و "السؤال الشفوي"، وبـعد مشـاداة كـلاميـة بين هـذا وذاك رفـــعَ رئيسُ البرلغـمانِِ الجـلسةَ، فـأعقـبـه الممثلـون البرلغـماتيون في مسرحيتـهم بشكـل جـماعـي بــ" وُوُوُوُوُوُ ..."، حينـها انقـطـع البـثُّ، لينتهـيَ الـمتتـبعُ بـخـلاصـةٍ مـفـادهـا: "فـعلاً؛ إنهـا مسرحيةٌ داخـل خشبةٍ مغـلقـةٍ شـاء لـها البثُّ المباشرُ أن تكشـفَ مـايدور داخـلهـا؛ ليـعرفَ الدّاني والقاصي أن الممثليـنَ تــايْـضْـحْـكو عْــليـنا".
مدونـةُ السّيـر فـي الـطّـرقِ كـثُـرَ اللّـغـطُ بيـن كـلِّ الأوسـاطِ عـن بنـودهـا، وكيف يمكـن تـمريـرُهـا فـــي ظـلِّ غـيـابِ الحـد الأدنـى مـن الشـروط التي تسـمح بـذلـك؛ لأنـه كثيـراً مـا يغـفـلُ مَـنِ اسْــتُـوزِروا (= بكسر الزّاي) عـلى رأس هـذه الـوزارة أو تـلك أن مـفـتــاحَ التغـييـرِ فـي أيِّ مــجالٍ داخـل وطـنٍ كـالمـغرب ليس مـرتبـطـاً بـالمدونـات وســنّ الــقـوانـين التي تحـتاج لبنيـةٍ متـكـامـلةِ الأطــرافِ وهـيـكلـةٍ اجـتمـاعيـةٍ أولـى لـنا أن نــؤهّـلـها هــي الأولــى؛ ثــم إلـى جـانب هــذا بـل وقبـلَـهُ خـلـــقُ إراداتٍ حقيقيةٍ تبغي التغـيـيــرَ وتـؤمـنُ بضرورتـه.
فهـكـذا مــدونـة ببنـودِهـا الضّخـمةِ تتطلّـبُ مـن وزارةِ الـتّجـهيـز أن تـكــونَ فـي الـمـوعـد، فـمـجـموعـةٌ مـن الـطّـرقـاتِ عـلى مسـتوى جـهات الـمـملكة تـفـتقـرُ لـعـلامـاتِ الـتشـويـرِ، وبعـضُـها غـير معـبّـدةٍ، أمـا العـنصـرُ البشـريُّ الذي سيسهـرُ على تفـعيـلِ وتـحريـكِ هـذه الـمدونة إما أنـه يجـهلـها أو في حـاجـةٍ لـزمـن طـويـلٍ ليتـعَــرّف عـلى سطورها؛ حينـهـا قــد تنقـلبُ الـموازنـةُ ليــنتـفـعَ بـهـا هـو الأول ويستـغـلّـها ليـرفـعَ مـن سقـفِ ظـواهـر مشينـة عـانى ومـازال يعـاني منـها مغـربُــنـا الحبيب.
أمـا جهـازُ العـدلِ، وعـن أيِّ عــدلٍ نتـكـلّـمُ ..؟؟، سيكـون قـضـاتُــهُ فـي ظـلّ هــذه الـمدونـة أمـام معـركـةٍ ستكــثُـرُ مَـشـاهـدُهـا وتتـلـوّنُ بِــتَــعْـدَادِ الـملـفّـاتِ التي سـتُـعرَضُ على أنـظارهـم.

بالـمقـابلِ؛ لا أحـد يجـهـلُ الوجــعَ الذي تخـلّـفه حـربُ الـطرقـات ببـلادنـا، وتتـألّـم بسـببه عـديـدٌ من الأسـر لفـقـدانـها فـرداً مـن أفـرادهـا، ولا يخفى عـن أحـدٍ كيـف أن غـيـابَ التربية الـطرقية لا الاكـتفـاء بـتعـلّمِ السيـاقة قد يجـعـلُـك وأنتَ الـمحـتاطُ في قـيادة سيـارتـك مُــرتـطِــمـاً بــمُـترجِّـلٍ يقـطـع الـطريـقَ في مـنـعـرجٍ وهـو سكـرانُ، أو تجـدُ نـفسـك مُنــحشِـراً مـع ركّـــابِ حافـلةٍ؛ ولأنـك قــريـبٌ مـن قـائدِهـا تُـعاينُــهُ وهـو يحـتسي خـمرةً أمام أعـيُـن جـبـالِ "تِــشْــكـة"، مُـتمـايـلاً مـع صـيْـحـاتِ رفـيـقـاتِ محمد رويشة .. أمـا الأدهـى والأمَـــرُّ وجـودُ تِـلـفـازٍ مُـلـصَـقٍ بـرأس الـحافلة من الدّاخـل طبعـاً لايفـوِّتُ السّـائـقُ نفـسُـهُ فـرصـةَ الـتطـلّعِ إلى مـايجـودُ بـه بطـنُـهُ (= بطـنُ الجـهـاز) من رقْـصـاتٍ وسكيتشـاتٍ، ولـمّـا تـحدِّثُـهُ عـن خـطورةِ مـايفـعـلُ ينتفِـضُ فـي وجــهِـكَ ويُـبـاشِركَ ( حتّى تْـكونْ انْـتَ اللّـي سـايْـقْ)، وإذا تـذكّـرَ الدّارَ الآخـرةَ لحظتَـها يُــضيـفُ (وَرَاهْ مُـوتْ وْحْــدة اللي كـايْـنة أصاحْبي).
أصـلُ التـغييـرِ – إذن – ليس في سـنِّ الــمـدوّنـاتِ؛ إذ كيف للسّـطـور والمسـاطـرِ أن تَــحُــدَّ مـن ظـواهــرَ تغـيبُ وتـموتُ الإراداتُ الــمُـسْـهِـمـةُ في نـجـاحِـها .. ويكفـيـنا تمـثيـلاً بـــــ"مدونة الأسرة"؛ فـأول مَـنْ يــغُـضُّ الـطّـرفَ – بدرايــةٍ أو بـغـيـر درايــةٍ – عـن تطبيـقِ بنـودِهـا هـم بعــضُ الـقـضاة.

محمد بوشيخة
mljabri1979@hotmail.com
 نُــشر بجريدة "عيون الجنوب"، عدد: 19، أكتوبر 2010م.  

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2010

شــهـرُ رمـضـانَ رمـــزُ الــوحــدةِ المـفـقـودةِ .. الحلقة الثامنة من عمود "ضد الــتيار"


كـلّـما حـلّ شـهـرُ رمـضـانَ الكـريـم، إلا وتــجـد أمةَ البطنِ والفرجِ لـتـصدُّعـاتِ تـشكّـلاتِــهـا وكــثـرةِ انـحرافــاتِــها عن الطريـق المستقيمة؛ المُـنْـبَـنِـيةِ على الوسطية والاعتدال في كــلِّ شيء – تــلك التي سطّرها الباري في كـتابه المبين وبـيّــن معالمَــهـا محمد صلى الله عليه وسلم في سنته الشريفة –، تـجـدُهـا تــتـسابــقُ تحضيراً للحلويات وتهييئاً للـحفْــلاتِ والجلْـساتِ على شتى أشكـالـهــا..!.
كلمـا حـلّ شهـر البَــرَكَــةِ إلا وامـتـلأت المساجِــدُ عن آخـرها بالمصلين قياماً للصـــلـوات؛ استجابـةً لنداء روحاني، قــلّما التفتـوا إليه في غير هذا الشهر العظيم..!.
كلما أطـلّ شهـرُ الغـفـرانِ إلا وتـنـاسى التـجارُ مـاأتى به القرآنُ؛ رفـعـوا الأسعار وضاعـفـوا أثمـان الفواكه والخضار، فحاصروا الصيامَ بالصيامِ؛ إلا عن الكبـارِ الذين استنزفــوا أصـلاً جيوبَ الصغـار، فــانفردوا بالأسواقِ في شهــر الانـعـتــاق من لهيب النار ..!.
كلما ظهــر هلالُ الإيـذانِ بحلول شهر رمضانَ إلا وتــوحّـدَ كـلُّ اُولئـك فيما لايرضي الرحمان: مجونٌ وإسفـافٌ / نـفـاقٌ وبهتانٌ / نهبٌ واستغـلالٌ..!!.
ليست هـذه هي الوحدةُ التي يرمـز إليها شهـرُ الصيام؛ مِـن هـذا الفريق أو ذاك .. ليست تـــلك هــي الوحدةُ التي ناشَــدَهـا القرآنُ ودافــع عنها النبيّ العـدنانُ وصــوّرتـــها قِـبلـةُ المصلين المؤمنين في كل الأزمـان.

أولى بأمة يجمع بين المنتسبينَ إليها كــتـــابٌ واحـــدٌ ونبيٌّ واحدٌ وقِـبلةٌ واحــدةٌ أن تــتــوحّــدَ على كــلمةٍٍ واحـــدةٍ ونـــهـجٍ موحّـدٍ؛ لا لردع الخـارجينَ عن دائِــــرتهـا: (= أفـــأنت تكره الناس حتى يكونــوا مؤمنين؟)، وقـوله سبحـانه في آيـة أخـرى: (لا إكـراه في الدين)، إنـما الوحدة لتحصين الـقِـلاع وردّ الاعتبـــار لكيــان نَــخَــرَهُ الضَّـعــفُ، وأحـاط به الهــوانُ، وتهاوتْ أركانُــــهُ لـما انكشفتْ عـوْراتُـــه، وعَــلَــتْ على السطـح نـــوازعُ أمراضِ أفـرادِه.
نعـم – في الأصـل - البُـعدُ الإنسانيُّ يوحِّـد كـلّ من يـدبّ برجلين على الأرض؛ لكن مادامت الدوابُّ تـتـنازعُـهـا ثنائيةُ الخير والشر مُـــذْ حكاية قابيل وهابيل، وطغى في عالمنا اليوم الشر على الخير؛ لدرجة لايـمرُّ يـــومٌ إلا وتفيد نشرةُ أخبـــار هذه القناة أو تــلك عن أعدادٍ من القتلى في هذا البلد أو ذاك؛ قتلى في الغالب من أمة واحدة أولى لها أن تَــتـوحّـدَ، وقَـتَـلَةٌ بالمقابــــل من أمة واحدة هي أصلاً موحـدة على ديـنِ قَــتـلِ الأطفالِ وإبـــادةِ الشعــوب وتشريــدِ النساء وزرع الــرُّعب في كل مُـعْـتَـقِـدٍ غيـر مايعتقدون، وسـائــرٍ على طريــق غيـر مايريدون ويسطِّــرون.
أليس إذن حَــريٌّ بــأمتنا أن تــتوحّــدَ ..!؟ .. ألا يــجوز لحُـلمِ ملايين الشعوبِ أن يتحــقّــقَ ويكفينـا نـــزاعات فارغة بين هــذه الدولة الضعيفة وتلك الأضعف، أمام قـوة أمريكا وتـوحُّـــدِ أوربا.
لاأجـد خــيـرَ مـاأختم به حـسرتي وألمي، كمـا كـل الشعوب التـوّاقة للـوحدة الإسلامية غـيــر هذه الأبيات الدالّـة للشاعر و الفيلسوف الباكستاني محمد إقبال:
وفي التوحيد للهِــمم اتحـاد  **   ولــن تـبنــوا العلا متفرقينا
ألم يـبـعث لأمـتكم نـبـــيّ    **   يـوحدكم على نهج الوئـام
ومصحفكم وقبلتكم جمـيـعا   **   منــــار لــلأخــوة والسلام
وفـوق الكـل رحـمان رحيـم    **   إلـــه واحــــد رب الأنــــام

محمد بوشيخة
mljabri1979@hotmail.com
.....................
نــشر بجريدة "عيون الجنوب"، عدد: 18، شتنبر 2010م.

الاثنين، 13 ديسمبر 2010

حــــــــــوار: مــع محمد بوشيخة في أعـالي النص.


مع محمد بوشيخة في أعالي النص
"كنت غير أناي التي أعرف؛ هذا إذا كنت أعرفها أصـلاً ..!"
"المرأة: تمـيزهـا، قـوة شخـصـها وانفتـاح فِـكـرهـا"

تـقـديـــم: نلقي القبض هذه الحلقة على كاتب من عيار خاص، عرف بمقالاته وأسلوبه الرصين. الجدية والجدة من أهم سماته، عرفته مهووسا بالنقد وكتبه وأهله، فمبدعا مقلا وجريئا، ثم صحفيا فريدا من نوعه، أجريت معه هذا الحوار في بداية نشر حلقات عين على القصة، وكان دائما حواره مؤجلا، ليس انتقاصا من قيمته؛ بل لأنـه من أهل الدار. وإلغاء لمقولة مطرب الحي لايطرب آثرنا أن يكون ضيف هذه الحلقة لنتعرف على الوجه الإبداعي لهذا الكاتب عن قرب.

................................

قـصصٌ قصـيرةٌ جـــداً ..!!

قــد تـكونُ أنـتَ بَـطـلُـها ..!!


اِعــترافٌ
أحـبَّها بصِدقٍ .. رأى فيها الأمّ والعشيقَـةَ .. عـرّاهـا كم مرّةً، ضمَّهـا بين أحضانِـهِ،  رشَفَ دمَهَـا، وقـبَّلَ أصابـعَ رِجلَيْها ..

فِتْـنَـــةٌ
دائـماً ترمُقُـهُ بعينيهـا السّاحرتين .. تعشَقُـهُ حـدَّ الجنونِ .. حبُّهـا صمتٌ .. هُدُؤُها حربٌ .. ابتسامتُها طلقـةٌ ناريـةٌ ..

خَــيْــبَــةٌ
صَفَـعَتْـهُ بيدٍ من حديدٍ .. لم تُقـدّر عِشقَهـا لـهُ ولاحُـبَّهُ لجنُونِهـا تجاهَـهُ .. رمَـتْهُ في دوّامةٍ من التفكـير وغابةٍ من التيـه ..
عـرّتْ أسرارَهُ وشَـرَّحَتْ وجِيـبَ قلبِـهِ بعد أن طَعَـنَتْـهُ بسيفٍ خَشِيبٍ.

غُـــــرُورٌ
هـي ليست كامرأة العزيز ولاكبلقيسَ .. هي الجمـالُ نفسُـهُ .. أوهكذا ياتُـرى ترى ذاتَـها ..! .. لاشكَّ أنها فاتنـةٌ، لكن لفِتْنَتِـهَا زورقٌ يبقـى ظـلَّ الريحِ حتى لاتغرق السفينـةُ ..!!.

.........................................

1-   قصص قصيرة جـدّاً، قد تكون أنتِ بطـلُها ..!، ألا يبدو لـك مثـل هذا العنوان واجهة استعراضية كبيرة لاستقطاب القـارئ، ثم إنّـه يحدد مسبقاً المكان الذي قد يكون على القارئ أن يكون فيـه، ألا يمكن اعتبار ذلك تطـاولاً على القـارئ أو استغباءً لـه ..؟.

ج= لاتـطاوُلاً ولا استغـباءً؛ إنّـما يمكن أن يُـفَسَّـرَ ذلك برغـبةٍ في خلقِ ديـمومةٍ لنصٍّ غيـرِ منـتَـهٍ .. هذه القصص القصيرة جـدّاً، نعم فيها نـوعٌ من الـمَأْسَسَـةِ لـخَـطٍّ متعـدِّدِ الألـوانِ، ذي مـوضـوعٍ واحـدٍ، متشـابكٍ، هـذه عتبتُـهُ الأولـى.  

2-   يقـولُ القاص الـمصري "محمد الـمخزنجي" "علينا أن نعود إلى الغابات البِـكر في دواخلنا" .. هلاّ حدثتنا عن رحلتك الجوانية وأنتَ تسردُ علينا هذه النُّـدَف الشعرية ..؟.

ج= نعم قد تكون نُـدَفـاً شعريةً، منطـلقُها رحلةٌ جوانيةٌ لاتبعُـدُ عن صراعٍ نفسي ألـزَمني كتـابتَها، وكما عقَّبتُ على إحدى القراءات النقدية في حقّ النصوص: "لم أستشعرهـا وهي تُـداهمني وشيطـانُها ينكحني"، ولأنّـكَ طلبتَ منّـي الاختـصارَ، فلا أضيف غير أنّـي لـحظَـتَها كنتُ غيرَ أنـايَ التي أعرفُ؛ هذا إذا كنتُ أعرفُها أصـلاً ..!.

3-   الـمرأة هي الرابـطُ بين قصصك القصيرة جـدّاً، ايغوشي بطل رواية "النائمات الجميلات" لياسوناري كواباتا يعتبر أن نهـدَها هو المثـال الأعلى، في حين يقدر المخزنجي أن أجمل مافي المرأة رَحِمَها ويدلل على ذلك بأنه آخـر عضو يتحلل بعد الموت، أنتَ في قصصك مـاهو سـرُّ جـمال المـرأة ,,؟.

ج= تـميُّـزُهَـا، قـوّةُ شَخْـصِها وانفتاحُ فِكـرِها، جـوهرُها الذي يتربَّـعُ كـلَّ جنباتِ مظهـرهـا.

4-   اعتراف – فـتـنة – خيبـة – غرور، قصص متسلسلة مترابطة ينظم بينها خط رفيع، أين هـي واسطة القـلادة ؟، إذا لم تكن، هل من العسير عليكَ إبـداعُها ..؟.

ج= لهـذا السـؤال عـلاقةٌ بالأول، رغبـةً في تشكيل دائـرةٍ يتموقـعُ فيها القارئُ الـمُفتَـرَضُ من خلال هذه القصص كفيلـة بأن تجعلَ واسطةَ القلادةِ منفتحةً على افتراضاتٍ لامتناهية، وكاتبُ النصـوص يعدو مجردَ قارئٍ أيضاً لحظـةَ الصّرخـةِ الأولـى.


أجرى الحوار: الكاتب والصحفي شكيب أريج
نُـشر ضمن حلقاته الشهرية "عيـن على القـصة"، جريدة عيون الجنوب، عـدد: 21، دجنبر 2010م

الأحد، 12 ديسمبر 2010

شهادة البكالوريا والمخطط الاسترجالي، الحلقة السابعة من عمود "ضد التيار"


تتــوالـى السـنواتُ بَـلْـهَ العـقـود لـتـنـكشـفَ الحقيقـةُ الـمُـرّةُ: "تـعـليـمُـنـا مـايـــزال فـي خـطـر ..!!".
فيـما مضـى رفض أحـدُ عـمـالقـةِ الـعلـم فـي الـمغـربِ التـدريسَ بـجامعـاتـنا العـلمية، والـمـبـرِّرُ أن البـرامـــجَ فيـهـا لاتـكـوِّن (بتضعيف الواو وكسـرِهـا) عـقـلاءَ؛ بقـدر ماتُـنـتـجُ فقـهـاءَ بـالمعنى السلـبي لكـلـمة فقيـه، ومـن ثَـــمّ تفـريـخُ أعـداد لاحـصـر لــها من المعـطلين كل سنـة، وفي كل التخصّـصات، وأحيـانـا – كـما ذهب أحدُ المفكرين – تشكـيـلُ قـوالبَ مهـيّـأة لتبـنّي أيّ تفـكير إقصـائي لافتــقـادهـا منـاهج السـؤال والنقـد.
كَـتَـبَ المخـتصُّــون في ميدان التربية، واستلـهم المترجمـون نظريـاتٍ غربيـةً ونقـلـوهـا إلى العربية؛ بُــغـيـةَ تـحريكِ الـدّم فــي قـارورة جسـدِنـا التـعليمي؛ إلا أنّ دار لقـمان مـاتـزال تـعـزف عـلى سمـفونيـاتِ ضَـعـفِ المـردوديـةِ وغـيـابِ الـكـفـاءاتِ الـمهـنيةِ وتحـصـيلِ تلامـيـذ شهـادات بكـالوريـا معـظمـهم لايجـيـد القـراءةَ وأحـيـانـاً تـركيبَ جـمـلٍ بلغـةٍ سليـمة.
تـجـوّلتُ أيــامَ اقـترابِ اخـتبـاراتِ البـكـالوريـا، الأولى والثـانية، في إحـدى الـمدن المـغربية، فـعـاينـتُ بــأمّ أعـيُـني مشـاهـدَ غـرائبيـة، تُـسْـهـمُ - من خلال كـلّ الأطـراف الـمتـدخّـلة فيهـا – فـي خلخـلةِ البنية التعليـمية؛ بـل وتُــفـقِـدُ شـهـادةَ البكـالوريـا مصـداقيتَـهـا على عــلاّتِــهـا - طبعـاً - بعـد التــحـصُّـل عليـها.
سـألتُ أحـدَ الـمؤمنـين بشـعـارِ: "مَـنْ نقـلَ انتـقـلَ، ومَــنِ اعـتمدَ على نفسِـه بقي في قسمـه"، لـمـاذا تُـقـبِـل على هـكـذا فــعــلٍ، فـجـاء الـجـوابُ بـاتفـاقِ مَـنْ يشـاركُـهُ الأمـرَ: "شْـحَــالْ كْـدْنـا نْـحْـفْـظُـوا // اُوعْـلاشْ نْـعْـتَــمْـدوا على ريُــوسْنا اُو الدْراري فالـمُـدْنْ الداخلية تـايْـنْـقْـلـوا ويـنْـجْـحُـوا ويــخْــلِّـيْـوْنـا احْـنـا اللُّــور".
يبـقـى التبريـرُ غـيــرَ مقـبـولٍ تربويـاً وأخـلاقــيـاً؛ رغـم مـافيـه من مُـشـيراتٍ تقـبـلُ الـتوقُّـفَ والـمسـاءلـةَ .. لـمـاذا تـجد أُطـراً تـربويـةً تـكـثُـرُ أعــدادُهـا؛ لأنهـا من جـهةٍ معـينـةٍ، من مدينةٍ معينةٍ، كـما يحصـلُ مـع الترقية التربوية؛ وكـأنّ حـال المشرفين على التوظيف والترقية يـؤكّـد كفـاءةَ أبنـاء هـذه المدينة عن تـلك، رغم أن الجـامعـةَ التي تخـرجـوا منهـا هـم وغيـرهـم واحـدة.
لـــن أتحـدّثَ عـمّـا يـحـصُـل في المـراكــز التربويـة وسـوء عملية الاختيـار وشكلية الاختبـارات فيـها، وما يشوبُ العملـيةَ في كلّـيـتِهـا من محسـوبية وزبـونية، فـالـكلام عـن ذلك آتٍ ضمن حـلْـقـةٍ أخـرى لامـحالة.
عـن المخـطط الاسـترجالي؛ عنوانُ محـطّـتنـا؛ والذي يـمكـنُ تسميـتُه أيضـاً بالاستنجـادي، لـن يـؤتـي أُكْــلاً فـي ظِـلِّ استفـحـالِ الـمرض وتمكّـنِـهِ مـن جسـدنـا التـعليمي.
لا أظــنُّ متـتـبّـعـاً للشـأنِ التعلـيمي ببـلادِنـا يجهـل الفـشـلَ الذريـــعَ للميـثـاق الوطني للتربية والتكوين؛ وهو الإصـلاحُ الذي أريـدَ بـه تحـقـيـقُ إقـلاعٍ فـي هـذا الـميـدان؛ ولأنّ ذلك لـم يحصـل اقـترحـوا فـي نـوعٍ يــنِــمُّ عـن الــتسـرُّع فـي اتّـخــاذِ القـرارات، كـمـا تـدلّ عن ذلك تسـمية "الاستعـجـالي"، اقــترحـوا مـاأرادوا بـه تطبيبَ الجرحِ الذي خـلّـفَـهُ الميثـاق.
أكــيــدٌ أنــه أريـــدَ بـالمخـطّـطِ إصـلاحُ مـاءِ وجـهِ المـسؤولـين عـن القـطـاع، وأنّـى لـه / لهــم بـذلك فـي ظـــلِّ غــيـابِ الـحـدّ الأدنـى مـن الـمحـاسبةِ عـن كـلّ مـاسبـقَ وفـشِـلَ.
وحـتى لانـركبَ قـطـاراً نـعـي أنّـهُ لـن يُــوصِـلـنا إلى بـرّ الأمـان؛ تبقـى مـعالــمُ فشـلِ المخـطط باديـــة عند بداية الطريــق، فـضَـعــفُ نـسـبةِ الـمحـصِّـلين عـلى شهـادةِ البكـالوريــا هـذه السنـة - رغـم مـايشـوبُهـا ويشـوبُ الـمحـصِّـليـنَ عليـهـا من نقـائـص - أولُ دليـلٍ عـن الاستـرجـالِ والاستنجـادِ كشـعاريْـن أجـوفَــيْـنِ لـن يستطـيـعا إنـقـاذ تـعـليـمِـنا، كــما لـن يُـخـفيـا ضـرورةَ الـمحـاسبـةِ التـاريخـية للـمسؤوليـن عـن القـطـاع.

محمد بوشيخة
ورد بجريدة عيون الجنوب، عدد: 17، غشت 2010م.

زاكـورة .. منـاسبة عـيد الأضحـى تــحـولهـا إلى مـدينة بــلـون مــخـتـلِــف ..! - متابعة صحفية


لا أحـد يجهـل مدى تـوافُـر العنصـر البشري الصبور والــجَـلَـد بهذه البقعة الأرضية، لكن قُـبـحَ الــزمن والارتكـان إلى محددات من قِـبَـل: المغرب النافــع وغير النافــع، ومن ثــمّ غـيـاب مـشـاريــع حقيقية تذوب معـها الـهجـرة إلى المدن الداخلية، أمور تجـعـل الـزاكوري مضطـراً للهـجرة لأجـل تـوفيـر مـوارد مـالية تضمـن العيش له ولمن خـلّـفـه وراءه من أفـراد عشـيرته.
في مناسبة عيد الأضحى تكتــظ زاكــــورة بأناسهـا، ويمتلئ السوق الأسبوعي قبل العــيد عن آخـره، وتُـنـفَـقُ أمـوال؛ لأجـل تفريح الأبـناء، واقــتنـاء لـوازم العـيد، لدرجة تصيب الدهشة الكثيرين ويحلمـون بدوام الحال.
وهـل للحـال دوام لـما تأت بجيوب شبه ممتلئة؛ لتصبح بين عشية وضحاها، في ظرف أيـام معـدودة، شبه فـارغــة ..!!.
لله الأمر من قبل ومن بعد، وللسياسة القائمة الويلُ من بعد ومن قبل ..!!.
.......................
محمد بوشيخة
ورد بجريدة عيون الجنوب، عدد: 21، دجنبر 2010م.

نــداء "وامـجـلسـاه ..!" تـقـــرع الـطـبـــول بـقـرب "سويــقـة الـــحــوت" – حي الداخلة، أكاديـر .. متابعة صحفية


بـحـي الداخلة – أكاديــر، جــوار "سويقة الحوت"، تُـطالعـك هذه البقعة الأرضية، وقد اكتظت بالأزبال (= الصورة رفقته)؛ وكـأن لسان حـال المكان يـردد (= وابْــززززافف من الإهـمال هـذا ..!!)، نعم كـل المدن تقـريبـاً بها أمــاكن أزبال غير منظمـة، ولا مخصصة، لكـن أن يحـصُـلَ ذلك في مدينة سيـاحية، تنشـد رقمـاً قياسياً في عدد السـياح؛ ضمن كل سنة قادمة؛ وربما لن تأتي، أمـر لا يعدو مقبولا ويحمـل في طيـاته الكثير من التناقضات.
بــقُـرب الـمـكان، نفس الـحي، توجـد جـامعـات، كما يوجد مركب جمال الذرة؛ الذي انعقدت فيه دورة المجلس الأخيرة، ونوقشت فيها الميزانية الأخيرة، أليس إذن من التفاتة بسيطة وبسيطة جدا لِمَـا خلف مقر الاجتماع، وتنبيه المكلفين بالنظافة أن هكذا أمر يمس بجمالية المدينة؛ بل ويمس بالمسؤولين عن المدينة على اختلاف تمثيلاتهم.
......................
محمد بوشيخة
جريدة عيون الجنوب: عدد: 21، دجنبر 2010م